أحمد بن محمد المقري التلمساني

78

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

للغناء ، وينظم الشعر ويلحنه ، ويغني به ، فيطرب سامعيه ، ومن شعره قوله : [ الطويل ] إذا ظنّ وكرا مقلتي طائر الكرى * رأى هدبها فارتاع خوف الحبائل وقال بعض العلماء في حقّه : إنه آخر فلاسفة الأندلس ، قال : وأعجب ما وقع له في الشعر أنه دخل سلا وقد فرغ ابن عشرة من بناء قصره ، والشعراء تنشده في ذلك ، فارتجل ابن الحمارة هذين البيتين ، وأنشدهما بعدهم : [ البسيط ] يا واحد الناس قد شيّدت واحدة * فحلّ فيها محلّ الشمس في الحمل « 1 » فما كدارك في الدنيا لذي أمل * ولا كدارك في الأخرى لذي عمل وسيأتي ذكر هذين البيتين . [ تبحر أهل الأندلس في العلوم ] وكان أهل الأندلس في غاية الاستحضار للمسائل العلمية على البديهة ، قال ابن مسدي : أملى علينا ابن المناصف النحوي بدانية على قول سيبويه « هذا باب ما الكلم من العربية » عشرين كراسا ، بسط القول فيها في مائة وثلاثين وجها ، انتهى . . وهذا وأشباهه يكفيك في تبحّر أهل الأندلس في العلم ، وربما سئل العالم منهم عن المسألة التي يحتاج في جوابها إلى مطالعة ونظر ، فلم يحتج إلى ذلك ، ويذكر من فكره ما لا يحتاج معه إلى زيادة . [ بين ابن حبيش واليفرنى في استعمال ما ذا ] ومن الحكايات في مثل ذلك أنّ الأديب البليغ الحافظ أبا بكر بن حبيش لمّا قال في تخميسه المشهور : [ الطويل ] بماذا على كلّ من الحقّ أوجبت اعترض عليه أبو زكريا اليفرني بما نصّه : استعمل المخمّس « ما ذا » في البيت تكثيرا وخبرا ، والمعروف من كلام العرب استعمالها استفهاما ، فجاوبه بقوله : أمّا استعمالها استفهاما كما قال فكثير ، لا يحتاج إلى شاهد ، وأمّا استعمالها في ألسن فصحاء العرب للكثرة فكثير لا يحتاج إلى شاهد لو وصل بحث ، واستعمل مكث ، فلم يعترض عليّ ولي ، ولا تشكّك في جلي : [ الوافر ] وليس يصحّ في الأفهام شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل قال اللّه تعالى في سورة يونس قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ

--> ( 1 ) الحمل : برج من أبراج السماء .